غربة

رؤى الخبر – بقلم الأستاذ محمد الرياني

شقيٌّ كالصغار الذين يقذفون بالحجارة في كل ناحية ، هو مختلف في شقاوته ، يمشي حافيًا في كل الأوقات ولايأبه بالحرارة التي تضرب وجه الأرض ، يكرر دائما استفزاز جارتهم التي توقد التنور في الفناء المكشوف ؛ يتركها تشعل النار لتذهب لبعض شأنها فيغافلها بصب الماء الموضوع في القدر القريب في التنور ، تعود لتتأكد من أن نارالتنور قد أكلت الحطب لتخبز فإذا به كما هو ، رآها فرماها بالحجارة ، عرفتْ صاحبها ابن الجيران المتفلت ، تركت كل شيء وطاردته وهي تدعو عليه وهو غارق في الضحك ، تعبت من هذا الصبي الذي يقذفها بالحجارة تارة وتارة يطفىء اللهب ، هي تتصرف بذكاء فكلما رماها بحجر وضعته بجوار التنور ، مضى العمر ، كبرت صاحبة الخبز وانحنى ظهرها ولازالت تذهب لتخبز وهي تتوكأ على عصا من عيدان الحطب ، سافر هو مغتربا بعيدا عن عيون الجارة وعين التنور ، اختفتْ مع السفر الشقاوةُ واستفزازاتُ الطفولة ، لم ينسها في سفره ، وكلما تعكر عليه الجو في الغربة تذكر رميها بالحجارة ومطاردتها له وهي تولول ، بعد غياب طويل قرر العودة ، قبل العودة ذهب إلى السوق ،اشترى لها هدايا ، ملابس نساء تباع بالمتر ، وأحذية تناسب عمرها ، وغطاء للرأس ، وأحذية لمن هن في السبعين ، استأجر سيارة حتى الحي الذي يسكن فيه ، نزل ومعه هداياه في أكياس فاخرة ، رآها عند التنور ، تركت كل شيء واتجهت ببصرها عند هذا الغريب الذي ينزل من السيارة ، نظر إلى الأرض ، أخذ حجرا ورماها به بعيدا عنها فعرفته ، أرادت أن تطرده فلم يهرب، اقترب منها أكثر ، قبلها على رأسها ، وضع بين يديها هدية اعتذار ، سحبته إلى موضع الحجارة التي كان يرميها بها ، ضحك حتى دمعت عيناه ، بكت من الفرحة وهي تحصي الحجارة التي مر عليها العمر ، اتجه معها إلى التنور ، ظل يُقرّب لها الحطب وهي تشعل التنور ، لم تكن واحدة من أسرته ، جهزت الطعام وجلس يأكل معها ويحكي لها أسرار الغربة.

المشاركة

شاهد أيضاً

قبل نهائي خليجي 24السعودية تلعب النهائي رقم5 والأمال بالفوز بالنهائي

  رؤى الخبر :أيمن عبدالله زاهد :المدينة المنورة:-   قبل إقامة نهائي كأس الخليج العربي …

اترك تعليقاً