رحلة

رؤى الخبر – محمد الرياني

قالوا لي رحلة، قلتُ رحلة! رحلتْ بي الذاكرة نحو أول رحلة، تذكرتُ السيارة العملاقة التي حملتنا نحو وادي العارضة، مثُلتْ أمامي صُرّةُ النقود التي وضعتْ لي فيها أمي ثمانية قروش، ارتسم في مخيلتي مجرى الوادي، الأرض الخميلة التي كنا نحفر فيها بأيدينا الصغيرة لنستخرج الماء، رحلتُ إلى زمن بعيد والهواء العليل يحرك فينا شدْو الطفولة لنغني كما عصافير الوادي، ونتحرك بين الكبار ونصعد نحو سلة الموتر العملاق حتى لايصيبنا الدوار، رحلتُ إلى زمن آخر عبر سيارات “الفور بي فور” وهي تقلّنا نحو “هروب” بين الماء والخضرة والسحاب والخيال، رأينا “هروب” قطعة من جمال، جنة بستان هبطتْ على الأرض، كبرنا ونحن تمتعنا الرحلات، قدور الطبخ الكبيرة، المجموعات التي تجعل منا عناوين الرحلة، أباريق الشاي المخضبة بالسواد، الجمر الذي نطبخ عليه، وكؤوس الشاي التي نتبادلها، زارنا الشباب ونحن نسترجع الماضي الجميل حين كانت الوديان جنات نستروح شذى روائحها العطرية وتغرينا سيقان أشجارها العملاقة لنرافق الطيور جوار أعشاشها، كبرنا ونحن لا نزال نحلم كأحلام الصغار، ونتطلع كالشباب بأن الوادي الذي احتضننا لن يهرب عن أحضاننا إذا غزانا حصاد السنين وقد مضى من العمر مامضى، أتينا في عمر الحكمة نحو الوادي من جديد، ذهبنا نحو وادي الفطيحة، جئنا لنكتب على أرضه الخضراء تاريخا مجيدا، وابتسامات صادقة، وأخوة متينة، سكبنا على صفحة الوادي الحب شعرا ونثرا وأشجانا، جمعنا كل تفاصيل الحكايات القديمة لنكتب رواية جديدة، ولما انتصف النهار والكلام العذب يجمعنا تألق الوادي وترنّمَ من كبار جاءوا ليضعوا عليه ذكريات عابقة ليتضوع زهرا وعطرا، في النهاية الماتعة هَمَتِ السماء، قال لنا الوادي : لا بقاء لكم وأنتم الحكماء، نهضنا وعلى محيانا ابتسامة رجل واحد، تركنا قوافي الشعر والعبارات البديعة والنشيد العذب تسكن في وادي الفطيحة كي تجري مع الوادي وتختلط بماء السماء، غادرنا الفطيحة ونحن لانريد ذلك ليس لأننا أحببنا المكان وحده ؛ بل لأننا وضعنا على مدخل الوادي عنوان قصة الودِّ التي جمعتنا كي نقرأها من جديد عند كل عودة وتحضر معنا أنىّ اتجهنا.

* بمناسبة رحلة المتقاعدين إلى وادي الفطيحة بتاريخ السبت ١٩ربيع الأول ١٤٤١هـ

المشاركة

شاهد أيضاً

رحيل

محمد الرياني قالتْ له : إن الجرح القديم لايزال ينزف، نظر إلى قدمها وقد تذكر …

اترك تعليقاً