رحيل

محمد الرياني

قالتْ له : إن الجرح القديم لايزال ينزف، نظر إلى قدمها وقد تذكر أنه كان سببًا ذات يوم في إحداث قطْعٍ في قدمها، كانتْ واقفة أمامه وهو يتذكر حذاءه الأخضر الصغير وهو يضرب به الدم النازف ليكفّ عن الجريان، كانتْ ْتتألم وهو يحاول بأصبعه إيقاف النزيف، قال لها : لايوجد أثر للجرح العتيق ولا يُرى مكانُ القماش الأبيض الذي قطَعه من طرف قميصه ليُحيطَ به قدمها، يا الله كنتِ صغيرةً يا…. وأنا في عمر الزهور! هكذا قال لها وهو ينظر إلى شعر رأسه المخلوط بالبياض، زفرتْ زفرةً عميقة وتركته، كانتْ تمشي بأناقة وكأنها ابنة الأمس ، لم تمضِ كثيرًا في مشيها حتى عادتْ تذكّره بمعايرته لها، لقد قلتَ لي يوما : لن يتزوجك أحدٌ عندما تكبرين، سيهجركِ الشباب ، بناتُ الحيِّ بهنّ حُسنٌ يعجّل بزواجهن أما أنتِ فلا أظن أن أحدًا سيقترب منك، آلمه كلامها كثيرا، لم تتوقفْ عن الحديث، هذا هو الجرح النازف يا طبيب الأمس، نهض نحوها وهي تهمُّ بالمغادرة، دعاها للتوقف وهو يتأملها ، طلب منها أن تسمح له أن يمسك بالأيام الباقية قبل أن يتمكن النزيف ، ابتسمتْ وكأنها تبتسم لأول مرة، وعدَها بأنه لايزال يجيد علاج الجروح دون اللجوء إلى حذاء ، في المساء جاءها زائرا ليحكي قصة جرحه النازف الذي لم يجد له مايسدُّ تدفقه، أخرجتْ عطرًا باذخًا رشته عليه ، تعطرتْ منه بسخاء، أعلن النزيف رحيله.

المشاركة

شاهد أيضاً

المسؤول المميز.. 

المسؤولية أمانة كبيرة  أبت منها السموات والأرض  وأشفقن منها.    ثم حملها الإنسان إنه كان  …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas