اصطلاء

محمد الرياني

جاءتْ تحملُ في يدها قِدْرًا شاحبًا يفيض ماء، كانتْ ترتجفُ من البرد الذي زار القريةالوادعة ، معظمُ البيوت بلا أبواب محكمة تصدُّ الهواء الذي ينخر العظام، لأول مرة يحدث مثل هذا البرد في منازلَ نصفُها فتحاتٍ ليدخل منها هواءٌ غير هذا القارص، النارُ أوقدوها ببقايا القصبِ اليابس والأشجار الممتدة التي تحمي العُششَ المنتصبة وسط الديار كالحسناوات، أخذَ كلُّ واحدٍ كفايته من الماء الذي اتخذَ من النار طاقة لطرد البرد في يوم مختلف، ظلَّت الصغيرةُ ترتجفُ يداها وتصطكُّ أسنانها والقدْر في يدها وهي تنتظر من يضعها على النار كي تزيل آثار النوم من وجهها وحول فمها الصغير، الآخرون مشغولون بملء أوعيتهم والانصراف وسط الزمهرير، أحدُ الجذوع الصغيرة انفرد محترقًا باتجاهها، أشرتُ عليها بأن تضع القدْرَ عليه كي يغلي ، فرحتْ وهي تنظر إليَّ بعينين صغيرتين شبْهَ مغلقتين، صعد البخار فقامتْ بوضع يدها فوق الفوهة كي تُكسبَ الجسمَ الصغيرَ الحرارة، أرادتْ أن تأخذه فلم تستطع يداها الرقيقتان حمله، أخذتُ خِرْقةً قديمة وقسمتها قسمين، وضعتُ كلَّ قطعة في يدٍ وأنا أمسكُ بكفيها، شكرتني على طريقة الصغار ، بدأت الشمس في الظهور وبقايا النار تحمل على ركامها أواني القهوة وقدور الذين بعثوا بها ولم يحضروا للاصطلاء، كان هذا آخر يومٍ رأيتُ فيه تلك الصبيَّة، وهو آخر يومٍ أمسكتُ فيه بخرقةٍ بالية لتحمل إناء ساخنا مثل هذا، رحلتُ بعيدًا لأرى نارًا أخرى في الغربة لاتشبه نار البرد، طال الغياب واشتدَّ الاشتعال ، عندما عدتُ إلى قريتي الصغيرة، لم أجد بقايا القصب التي منها يورون ، سألتُ أول من قابلته عن حاملة القدر في الحي القديم، عرفتني التي سألتها ولم أعرفها، كانت تتكىء على عصا من الأسوار القديمة ، قالت : إنها كانتْ يومًا ما صغيرة، لم يحضر البرد معي عندما استوقفتها ، سألتُ عن البيوت القديمة، ظلتْ تتحسر على الماضي وعلى أسوار الشجر وتترحم على الذكريات، قلتُ لها والقدْر! هلَّ دمعُ عينيها، رفعتْ يديها وهما ترتجفان لأتذكر ، سألتني بحزن عن بقايا الخرقة القديمة التي أعطيتها لتحمي يدها من الحرارة، دمعتْ عيني مثلها، لم أجد أثرًا للحطب ولم أعثر على أغطية ضائعة للقدور الساخنة.

المشاركة

شاهد أيضاً

ملامح من أدب العزلة (لثام وعينان سوداوان )،مجموعة قصصية لمحمد الرياني

محمد الرياني صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون في لبنان الإصدار القصصي السادس للكاتب السعودي …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas