أسئلة

رؤى الخبر – محمد الرياني

 

جلستْ والتجاعيد قد أحدثتْ في جبهتها خطوطا عريضة، من عادتها أن تضع ظاهر يدها على ناصية وجهها عندما تكون حزينة أو تشعر بسوداوية مفرطة، استوى جالسًا إلى جوارها، سألها عن أحذيته الخضراء الصغيرة التي كان يلبسها في مراتع الطفولة، عن سراويله الملونة التي كان يلهو بها ويزهو في الملعب القريب، كانتْ تضرب بيدها على مقدمة وجهها دون إجابة، واصلَ محاصرتها بالأسئلة، سألها عن ساعته التي كانت تغطي دائرتها معصمه الصغير وعن قمصانه البيضاء التي يذهب بها إلى المدرسة وأيام العيد ليتباهى بها أمام الأقران ، قال لها : ألم يكن في دارنا ملعب؟ أين الكرةُ التي كنا نتقاذفها صغارا وأنت تهددين بقطعها عندما تطيش من الأقدام لتضرب رأسك أو تسقط الأواني من الرفوف، تجاوز بأسئلته أسوار الدار نحو منازل الجيران، سألها وقد اختفتْ أصواتهم وهجروا المكان، اعتدلتْ في جلستها، ضربته بكفها على قدمه وقد اخشوشن، أين ذهبتْ قدمك الصغيرة؟ أشارتْ إلى ملابسه، سرواله الفضفاض وثوبه الطويل، هل يمكن أن تلبس ملابس الطفولة الآن؟ كل شيء يفنى في دولاب الزمن، تموت الطفولة في الحياة، ويموت الصبا في أيام الفتوة، يشتعل الرأس شيبًا لتغادر الكهولة الميدان ، نطوف حول المضمار في سباق الحياة، لم يترك لها المجال لتكمل، أخرجتْ أشياء بالية من صندوق ملابسها القديم، قالتْ له هذه بعض أشيائك، احتضنها وعليها رائحةُ الزمن الغابر، أراد أن يجربها مازحًا وهي تنظر إليه بعين الشفقة، قالت لن يأتي الماضي في حضرة الآن، أعادت إلى الصندوق العبق القديم، قالت له : هل لديك أسئلة أخرى؟ تحسس قدمه، شعر رأسه، جذعه الفارع، قام نحوها يقبَّل تجاعيد وجهها وهو يعيش حلم الطفولة، مر بهما العمر مثل الطَّيْف.

المشاركة

شاهد أيضاً

المسؤول المميز.. 

المسؤولية أمانة كبيرة  أبت منها السموات والأرض  وأشفقن منها.    ثم حملها الإنسان إنه كان  …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas