الرئيسية / آراء وأقــلام / المِطْحَنَة

المِطْحَنَة

رؤى الخبر – بقلم الأستاذ محمد الرياني

كانتْ في شهرها التاسع عندما ألقى أمامها كيسَ الحبوب، انتشرَ الغبار في كل مكان من الكيس القديم، قال لها : اطحني الحَبَّ بسرعة، انتصفَ النهار وموعدُ الغداء قد اقترب، قامتْ تئنُّ وهي تضع يدها على ظهرها نحو الكيس الذي لم تزد كميته على النصف ، أحضرتْ قدرًا وطرحتْ فيها الحبوب، نبَّهته إلى أنَّ الحبوب ليستْ جيدة كالعادة، ردَّ عليها وهو مُدْبر : هذا الذي وجدتُه في السوق، لم يأتِ محصولُ هذه السنة وكلُّ الذي في السوق من هذه العيّنة، لاعليك!! ضعيه في الماء ثم نقّيه من الشوائب وسيصلح، جلستْ وبطنها منتفخٌ أمامها تنتقي الحبوب الحمراء الجيدة وتعزلها عن السوداء التالفة، تحركتْ وهي جالسةٌ نحو المطحنة لتطحن الحبَّ وتجهزه للغداء قبل أن تتعرض لوابل الكلمات، قرَّبتْ إناءً صغيرًا فيه ماء لترطيب الحبوب أثناء الطحن، فرشتْ حصيرًا مستديرًا ومن فوقه المطحنةثم وضعتْ تحت طرف المِطحنة من جهتها رِفادةً من خشب كي تميل بها، بدأتْ تطحن وهي تتأوه، دخلتْ عندها جارتها فلما رأتها صاحت! ماذا تفعلين؟ قالتْ لها، كما ترين! أطحنُ، رَجُلُ البيت يريد خبزًا أحمر، عرضتْ عليها المساعدة فرفضتْ قائلة: لو يسمعك زوجي ماأكل منه، جلستْ إلى جوارها وهي تطحن، أشارتْ إلى جارتها أن تقرّبَ منهما دلةَ قهوةٍ محلاة بالسكر، صبّتْ في فنجانين، تناولتا القهوة على صوت المطحنة، انتهتْ من الطحن، غادرتْ جارتها وهي مشفقةٌ على صديقتها التي يكاد ابنها يخرج من بطنها، اتجهت صاحبة المطحنة نحو التنور، وضعتْ فيه الحطبَ وأشعلته ، بعد أن التهمت النار الحطب وحَمِيَ التنّور أحضرت العجين وَخَبزتْ خمسًا من الفطائر ووضعتْ إدامًا في منتصف التنور ثم عادتْ لتستريح، شعرتْ بآلام المخاض، ربطتْ على بطنها وقامتْ نحو التنّور لتُخرجَ الطعام، نادتْ على زوجها لتناول الغداء، بعد أن شبع أخبرته أنها تشعر بآلام الولادة، حضرتْ جارتها أم عليّ دونما موعد، كيف حالك ؟ ردّتْ عليها بصوت مبحوح تعالي ساعديني، أمسكتْ بها ووضعتْ رأسها على السرير وشرعتْ في التسهيل لإخراج المولود، دوَّتْ صرخة جميلة ملأت البيت، عادتْ جارتها الأولى لتستطلع الأمر من جديد، استقبلها بكاء غريب، كانت المطحنة لاتزال في مكانها، وبقايا القهوة المحلاة في الفناجين ، اقتربتْ منها وقبّلتها على رأسها، أطلقتْ زغرودة عالية دوَّتْ في الحي، اجتمع النساء ورُحْنَ ينظفن المكان، أخذ زوجها الكيس ولاتزال به بقايا غبار نحو الخارج، واحدةٌ من الحاضرات أطفأتْ قاع التنور، الصاحباتُ طلبنَ منها بأن تضع سُمّة ثديها في فم الرضيع، فعلتْ ذلك وهي تشير إليهن بإكمال بقية الغداء، جلسن للأكل وهنّ يتهامسن حول اسم المولود، فتحتْ عينيها من جديد، سحبتْ ثديها من فم وليدها، قامتْ إليهنّ وقد اتفقن على التسمية بالقرعة، سكتتْ الصغيرة عن البكاء، اللاتي تسامعن بها تقاطرن للتهنئة، ربطتْ على بطنها من جديد وقامت مرحبة، كان يتضوع منها رائحةُ النُّفاس.

المشاركة

عن مرعي جعران

شاهد أيضاً

(المجالس البلدية والشراكة المجتمعية)

بقلم / بريك العصبمي رؤى الخبر . ﻻ شك أن مد جسور التواصل _ بين …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas