ضَعيف

محمد الرياني

جاءَ غريبًا قد كستِ الغَبَرةُ إزاره، أشفقوا عليه وأسكنوه الحيَّ غير المسكون، تواصوا به خيرًا، في الصباح ذاقَ طعامًا لم يره من قبل، لم تجد أضراسه التي اعتادت الأشياءَ الصلبةَ صعوبةً في التهام الوجبة الجديدة، كان يأكلُ معهم وهو يختلسُ النظراتِ بعينين ماكرتين نحو أكياس الحبوب المصفوفة في أحد الأركان، ظلُّوا يتناوبون على تشجيعه على الإفطار وهم يتهامسون لإهدائه إزارًا غير الذي يلبسه، عندما شبع وهمَّ بالمغادرة رمَوْا عليه حُلَّةً جديدةً وهو يتظاهر بالزهد والخجل، أصرُّوا عليه ليأخذها، أشاروا إلى إناء به ماء ليغتسل ويزيل الغبار الذي جاء به، اختبأ في مساحة منزوية لا يراه أحد، اغتسلَ وهو يفكر في أوَّلِ فعلٍ يفعله مع هؤلاء السذّج في نظره، خرجَ بعد الاغتسال يبرقُ من النظافة والملابس البيضاء، تركهم وشأنهم حتى حلَّ الليل، ناموا قريري العيون على فعلٍ فعلوه تجاه هذا الضعيف، تسللَ خلسةً وسط الشخير والأمان، انقضَّ على أحد أكياس الحبوب بشراسة، شَقَّهُ من أسفله حتى لايدخل الشك عند رُؤيةِ أعلاه، أخذ كفايته في مساء مختلف، في اليوم الثاني لم يحضر معهم لإفطار الصباح، قالوا لعله ذهبَ لبعض شأنه، أو أنه وجد عملًا، وقفوا عند الأكياس الممتلئة وهم يشعرون بالابتهاج، اتفقوا على أنْ يهبوا له كيسًا يُعينهُ على مصاعب الحياة، جاء إليهم هذه المرة في المساء، سألوه عن غيابه فضحك بخبثٍ وادّعى أنه ذهب لزيارة الأراضي المزروعة، دعوْه لرؤية الأكياس وهو يحكُّ فروة رأسه، قدَّموا له واحدًا منها هدية، حمله على ظهره كما يفعل الفلاحون وانصرف ، رماه على الأرض التي يسكنها وهو يفكر في المزيد، عندما شعر بازدياد ثقتهم طلب منهم أرضًا يزرعها ، رحبوا به وجعلوه واحدًا منهم، تركوا له حرية الاختيار، هطلتْ الأمطار بغزارة، حَرثَ الأرض ولم يفعلوا، اكتفوا بالفُرْجة وأكياس الحبوب التي تغنيهم لسنوات، وهو يحرثُ الأرض كان يلقي أناشيد الفلّاح وهم يصفقون ويردون معه أغنياتِ الأرض والزرع، أقبلتْ السنابل بعذوق بيضاء وحمراء ، غافلهم في ليل مظلم ليسرق محصول السنين، أصبحوا وهم يضربون كفًّا على كف ويتعجبون من لصٍّ أعماهم من تعبِ أعوام، لم يشكُّوا في الغريب الذي أصبح يملك أرضًا خضراء، جمعَ محصوله وعبَّأه في أكياس ووضَعَها في صفوف، نفد الحبوب الذي عندهم، لم يجدوا بدًّا من طلب المعونة منه، ذهبوا إليه من أجل الإفطار معه وتذكيره بردِّ الجميل، لم يكن موجودًا لحظة الإشراق، وجدوا على الأكياس سورًا حصينا ، ذهبوا إلى الحقل الذي نبتَ من جديد، أرادوا الدخول فلم يتمكنوا، وَضعَ حوله سياجًا من الأشواك حتى لا يراه أحد .

المشاركة

شاهد أيضاً

على رسلكما إنها صفية !!!

بريك العصيمي _ رؤى الخبر . عندما يضع الإنسان نفسه في مواطن التهم ويريد من …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas