زَمّ

محمد الرياني

قالوا له :هذا الشَّعرُ الذي ملأه القملُ متى ستزيله؟ انظر لنفسك كأنك هَبَل! ضحكَ وأدخلَ كُمَّ بدلته في فمه يتلذذ مرارته وهرب إلى الساحة، لَحِقوا به وناولوه شفرة الحلاقة، ( أحسنُ لكَ) أزلْ هذا الشَّعر لو طالَ زيادةً لنْ تدخلَ فيه مكائن الحلاقة، أطاعهم هذه المرة وذهب إلى جارهم الذي يحلق لأبناء الحارة، أجلسه بالقوة وشرع في حلق الشعر، شعر بالألم، نهض كالصيد الهارب من قناص، اصطدم رأسه بذقن الحلاق، ناداه! تعال : لو تذهب إلى…… لابدَّ أن تعود إليَّ مرةً ثانية، قفزَ من فوق السور الفاصل إلى بيتِ أحد الجيران، لقي ليلى وزينب تجمعان العلب الفارغة وتضعانها في كراتين لتصنعا منها دكَّانا، ناداهما، أريد أن أشتري منكما، اقتربتا منه، ركلَ العلب الفارغة فانتثرت، صاحتا ياشقيُّ أخربتَ علينا دكاننا، تناولتْ ليلى علبة فارغة وقذفته بها، انشقتْ جبهته وسال الدم، كان الجو حارًّا والشمس في غاية السطوع، خاف من الدم فاستغاث، وضعوا على موضعِ الدم قطعةَ قماش، ظلّتْ تنظر إليه وتزمُّ شفتها نكاية فيه وهو يتألم ويتوعد بالانتقام، استسلمَ أخيرًا للحلاقة، برزَ وجهه لأول مرة، كبر وعقل وزَانَ ولاتزال آثارُ العلبة في جبهته، نسيَ معالم وجهها إلا منظر شفتيها وهو في وضع الانتفاخ والزمِّ، كبرتْ وجاءتْ لزيارتهم ليلةً من الليالي، قال لنفسه :هذه ليستْ غريبة عليّ، تغيَّر قوامها وترهلتْ، تجاعيد كثيرة سطّرتْ خطوطًا على وجهها، التفتتْ إليه، تذكرت الشقَّ الذي أحدثته في مقدمة رأسه، زمَّتْ شفتيها، تذكّرَ اليومَ الذي بعثرَ فيه علب الفول والبزاليا وصناديق الصابون الصغيرة الفارغة، ضحكَ حتى وقع على الأرض، سأل عنها، قالوا له: هذه فلانة، وضع يده على جبهته وهو يسترجع منظر الدم، عندما سمعته تناولتْ علبة كانتْ موضوعةً على مقربةٍ منها، همَّتْ أن تجدِّدَ الجرحَ القديم، طلب منها السماح على أيام الطفولة، لوَّحتْ بيدها سماح… سماح يا…. غادرتْهم وهو يتذكر شفتين بريئتين ، كانت آخر مرة يراها فيها، بحثَ عن أثرٍ لدكانها فلم يجد بقايا العلب الصدئة، جدَّ في السؤال عنها، وَجدَهمْ قد وَدّعوا شفتيها مع بقية التجاعيد .

المشاركة

شاهد أيضاً

فيروس كورونا يهز العالم

ناصر. ك ، الأستاذ محمد حنيفة بي،جامعة كالكوت كانت الأيام تمضى جميلة وبديعة جدا منذالشهور …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas