الرئيسية / واحة الشعر / التفاتة الوداع

التفاتة الوداع

لا دارَ لي لا صحبةٌ لا راحلةْ
الطيرُ غادرَ والحديقةُ قاحلةْ

وأنا على كتفِ الوداعِ ممدّدٌ
وعيون راحلتي الحزينة ذاهلةْ

من حقله المكدودِ في جنح الدجى
عادتْ به خطواته المتثاقلةْ

البيت ينضح بالأقارب ينتشي
بابنٍ وسيمٍ: بشّرتنا القابلةْ

قالت : رموش الشمس في وجناته
وعيونه أقمارُ حبٍّ هائلةْ

من طابع الحسن الذي في وجهه
تنساب أغنية المساء الزاجلةْ

وضحوكُ سنٍ يملأ الدنيا شذا
لكنه يبكي فيزعجُ حاملهْ

سيكون في سمع الزمان مباركا
يسْقى الجمالَ عيونَه وأناملَهْ

انظر إليه وكيف يشبه خاله
أنفاهما.. عيانهما.. متماثلة

اِحْمِلْ وليدَك وارْقِه.. قبِّلْهُ ثم
اسكبْ حنانًا من وريدكَ داخلَهْ

يا قُبلةً ما كان أجملَ طعمها
يا قُبلةً تحيى النفوسَ الذابلةْ

اسمعْ كلامَ أبيك لا…
وتضاحكوا
أحداقهم بالفرحِ كانت حافلةْ

***
ومضى أبي والعمرُ يأكل خبزَه
وثمارَه وحقوله وسنابلَهْ

كنا نعانقُ صوته ،
تحكي لنا
أمي شقاه وسعيه وفضائلهْ

تنّورُ تلك الأمنياتِ وخبزُها
كم ألهبتْ دنيا الشقاوة كاهلهْ

والصبر أطيار تطوّف في الدنا
وتعود في عقب النهار منازلهْ

والأم شمس في شرايين المدى
قمرٌ يحلق في سماء العائلةْ

تروي وتسقي لا يجف وريدها
تروي و تبدع للحزين تفاؤلهْ

كالباقيات الصالحات كفوفها
وكليلة القدر الشفوفة ناهلةّ

كنا ننام على سريرٍ من نسيجِ
جفونها ،
ونرى المآسي غافلةْ

والقلب تمسحه فيقطر أنجما
وترد من بعد العذاب شمائلهْ

فهي البحور على استقامة وزنها
وهمو زحافاتُ ازدواجٍ مائلةْ

الكل يأتي صدفة،
لكنها تأتي كما دعواتها متكاملةْ

*****
وأتى المساءُ وقد تغضنُ وجهها
حلفتْ لنا : واللهِ إني راحلةْ

كانت تحسُّ الموت يسرعُ خطوهُ
ويعد في صمت القبور رواحلهْ

كالأرض تشْتفّ انبعاث الغيث من
قبل المجيء وتستبيح رسائلهْ

وتراه خلفَ البابِ يرقبُ عمرها
يحصي الدقائق في انتظار النازلةْ

وسمعتُ أختي والدموعُ تَقدّها :
الموتُ يغرس في الضلوع مَناجلهْ

أواه لو يرضي بروحي دونها
أقسمتُ إني دون خوف فاعلةْ

الموتُ يعصف بالحبيبة أمنا
يقتاتها، لمَ لم تقم لتنازلهْ؟

بقي الجواب على الشفاه مكبلا
لا حيلةٌ إلا الدموعُ الخاذلةْ

وبقيتُ وحدي في الحياة كقبضةٍ
قُصتْ أصابعها بدنيا غائلةْ

والموت خيم بالمكان كأنما
من حولنا الأشياءُ تبدو قاتلةْ

سُرعان ما زُفّتْ إلى وجه الجليل.
شعارها : مشتاقة ومناضلةْ

***
ودعتُ قلبي حينما ودعتُها
والبدر مخسوفٌ وشمسي آفلةْ

قلبي الذي أمطرت قفره بلسما
كيفاه تنمو بعد ذاك فسائله؟

الحزن يا أماه صار فريضةً
والفرح يا أماه بعدك نافلةْ

في كل آونةٍ تبدّل حالها
شمطاءُ يا دنيا المواجعِ سافلةْ

خضراءُ في الأحداق إلا أنها
غدارةٌ عما قليلٍ زائلةْ

هيهات، ما ألْفيتُ فيك سعادةً
إلا وقد كانت ظلالا حائلةْ

تأسو وتقسو ، لا نودُ فراقها
كالمرء يعشقُ قيده وسلاسلهْ

إما شقاءٌ أو نعيمٌ فارتقبْ
لا ريب أن الموت حتما فاصلةْ

د حمادة عبد الإله حامد
٢٦ فبراير ٢٠٢٠ م السعودية

المشاركة

شاهد أيضاً

رأيتُ السَّاحَ خاليةً

رؤى الخبر – شعر الأستاذ حسن ناشري ما سالَ دمعٌ بل أُسِيلَ دمُ مني وذابَ …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas