الرئيسية / آراء وأقــلام / فلٌّ عند العُشَّة

فلٌّ عند العُشَّة

 

محمد الرياني

استوقفَه عند دوَّارِ العشة، أشار إليه بكيسٍ شفافٍ يمتلأ فلًّا، المساحةُ من حوله جعلتُه يذعن للبائع الصغير الذي تنتظم أسنانه كحبّاتِ الفلِّ المرصوص في خيط أبيض، العُشَّةُ عن اليسار في قلب الدوار ذكّرته بعشةِ عمته فاطمة التي كان يزورها ليقطف الفلِّ من رديمتها التي تختبئ خلف الدار، سأله عن السعر! رفع الصغير يديه وأشار بالأصابع العشر ولايزال يبتسم، قال له: السعرُ غالٍ والكمية محدودة، ظنه أحد الباعة الجائلين، اعتزَّ بانتمائه الذي يشبه عبير الفل، دفع له المبلغ وهو في غاية السعادة ولايزال يحمل كيسًا آخر في يده، استدار مع الدوار ليرى العشة كاملة، رأسها المخروطي، دورانها السفلي، كلُّ هذا وهو ينظر إلى الفل تارة، وتارة يضع في فتحة أنفه حبةً منه ويستروح شذاه، في المساء باتوا ينظمونه عقودًا متساوية، بعض الحاضرات وضعنه في أقراطهن ذات الحلق الواسع المتدلي من آذانهن، واكتفى بعضهن بزرع حباتٍ منه في خصلات شعرهن ليعبق بمنطقة الرأس، واحدةٌ منهن استأثرت بأكثره لتصنع مسابح منه منتظمة في خيط على رأسها، بدا شعرها قطعةً سوداء يضيء على جنباتها البياض، تضوَّع الفلُّ في أنحاء البيت، مَن دخل الصالة حرك أنفه وسأل عن رائحة الفل، ومن قبَّل رأسًا قال : اليوم معكم فل!! والصغيرةُ تجري هنا وهناك وتصيح: فلْ….. فل، وكأنها من بائعاتِ الورد في الحدائق، الوحيدُ الذي لم يحتفل معهن هو الذي اشترى الفل، احتفلن مِن حوله وهو يراقب من قريب، نام على شذى يعبق على سريره الأبيض، صحا من نومه أشبه بنبتةِ فل، حبَّاتٌ متناثرة على جسده، لم يسألهنّ عن مصدره ، سألهن!! لماذا أتى هذا الفل ليلًا ليبيت على جسده؟ وكيف جاء ليسكن بكل وداعة حوله؟ قام منتفضًا وهم يشمُّ جانبيه، ظل يبتسم كبائع الفل.

المشاركة

شاهد أيضاً

على رسلكما إنها صفية !!!

بريك العصيمي _ رؤى الخبر . عندما يضع الإنسان نفسه في مواطن التهم ويريد من …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas