ذكرى

محمد الرياني

وردَ ماءَ القرية، وجدَ الورَّاد يحيطون بالبئر، ملأوا له الجرة، عاونوه حتى وضعها على كتفه، اتجه إلى بيته القريب، وصل إلى موضع الجِرَار، ناداها لتساعده في إنزالها من على كتفه، تأخرتْ عليه وهو يصيح بأن تسرع، كانت تلبس الثوب وشعرها لم يزل بلا تمشيط، لم تكمل جرَّ سحَّاب الثوبِ من الخلف، أقبلتْ نحوه مسرعة ونفَسهُ يكاد يخرج، لقد تأخرتِ عليَّ… أدارتْ له ظهرها ليرى الثوب من الخلف، مدَّتْ يدها لتمسك عنق الجرة، تناولتها فانفصل العنق لتسقط الجرة، سالَ الماءُ على صدره وعلى ظهرها وعلى الأرض، بقايا قليلة استقرتْ في عجز الجرَّة، جلسا على الأرض ليشربا من البقايا، التفتَ إلى جرَّة شاحبة بلا عنق، دخلتْ البيت وذهب إلى البئر يحمل جرة بلا عنق، معظمُ الذين وردوا البئر لازالوا في السقيا، رأوه مقبلًا فتغامزوا، رمقوه بنظرات الهمز واللمز والمزح، سألوه عن الجرة التي ملأها قبل قليل، لم يقتنعوا أنها تحولتْ إلى شظايا، لم يطلب منهم الذهاب للتأكد بأنفسهم، تعاطفوا معه وملأوها له، حملوها من أسفلها ووضعوها على كتفه، لم يرفع صوته بالنداء عليها هذه المرة، جلس ببطء ووضع الجرة على الأرض وغطى مكان عنقها ، رأى ملابس أخرى له يحركها الهواء على الحبل، دخل إليها وقد لبستْ ثوبًا آخر قد اكتمل من الخلف، أحضرتْ له الملابس لتحلَّ مكان التي غرقتْ من قبل، تناول معها إفطار الضحى، تذكَّر أن هذا اليوم تُباعُ فيه الجِرار في السوق الشعبي وقد انتصف النهار، اعترض طريق الباعة عند عودتهم ليشتري بأقل الأسعار، حُسن حظّه قاده لبائع بقيتْ معه جرتان؛ إحداهما أكبر من الأخرى، أخذها واتجه إلى البئر، استعار حمارًا للقيام بالمهمة ، ملأ الجرتين وانصرف ، عثر الحمار في الطريق، خارت جميع قوائمه، انكسرت الجرتان وسال الماء في طريق الحمير، غرقت ملابسه مرة ثانية، سمعتْ صوته وهو يندب حظه فأقبلتْ إليه، وقفا عند الجرة القديمة يسترجعان قصة مائها.

المشاركة

شاهد أيضاً

•• الطائر الجريح ••

رؤى الخبر: بقلم أ. موسى صنبع | جدة سلام أيها الطير الجريحُ سلام كلما هبّتك …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas