رائحة البطيخ

 

رؤى الخبر – محمد الرياني

 

ظل على تلك الحالة؛ فكلما أشرقتِ الشمس يذهب إلى الحقل ويضع رجليه في مجرى الماء المتجه نحو الجداول للسّقيا ثم يتجه إلى ثمار البطيخ يشمها كما يشم أبٌ خدودَ صغيرِه من الحب، يأسره لون الأرض، يُقْبل بمنخريه إلى أصول الشجر ليستروح عبق الأرض والجذور، يجوع ولاتدخل الفاكهة الحلوة جوفه، الذين يرونه يتأسفون على هذا الكهل الذي اشتعل رأسه شيبا وهو على هذا الوضع يقلّب الأوراق ودموعه تهمي على الحبّات اليانعة، قيل له يوما وقت الشروق : ارحم هذا العمر، صوّبَ بصره إليهم وهو يتحسس دمعة تترقرق من عينيه بحزن ولم يجب، اكتفى بالنظر إلى ثمار حقله التي تصطفُّ أشبه بعرائس في ليلة فرح ثم ذهب يقبِّلها واحدة واحدة ، عرضوا عليه أن يبيعها ليتخلص من الوجَع والدموع فرفض في إباء، احتاروا في أمره، ماذا دهى هذا القروي ليبكي على الشجر وعلى البطيخ ؟ تركوه وشأنه، عجزوا عن فهم أسراره، في اليوم الذي حصد فيه أصحاب الحقول المزارع جاءوا إليه والماء ينساب برائحة الثمار، وجدوا الفاكهة تسبح في الماء، لم يكن في مكانه المعتاد، لم يعثروا على آثار قدميه اللتين كان يغسلهما في المجرى، ذهبوا إلى آخر الحقل وقد امتلأ بالاخضرار، وجدوه يحتضن البطيخ وظهره ورأسه على التراب، ظنوه نائما، أرادوا تحريكه فلم يستجب، تناثرت الثمار وبقي هو جامدا، جمعوها وألقوا بها في الساقية لتتبع البقية، فعلوا كما كان يفعل، اقتربوا من الجذور يشمون شذى الأرض، وضعوا أقدامهم في مجرى الماء ليغسلوها كما كان يفعل، اختلط ماء العيون بماء الساقية.

المشاركة

شاهد أيضاً

المواصفات السعودية تشترك في 70 لجنة فنية دولية جديدة لتعزيز حضورها الدولي

رؤى الخبر / هدى الخطيب سجلت الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة خلال العام 2020، حضوراً …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas