حفظ المعروف

بقلم:حصة التميمي

الإسلام دين الشرائع المثلى، والأخلاقيات الفضلى بين الناس ،ومن ذلك فقد توَّج الله الإنسان بالكرامة الإنسانية بما يذخره من عقل يميز به الحق من الباطل ، والخير من الشر ، ويقبل به على فعل الطاعات وأعظم العبادات ومنها بذل المعروف بين الناس ؛فبذل المعروف من أفضل العبادات إحياءً لبذرة الإحسان في عمق كل كيان حتى إذا ماتنامت بذور العطاء وسقيت بكثرة البذل والنماء تسامقت أغصانها شجرة باسقة ناضرة خيرها عميم ،وأثرها يبقى في الصميم .
بذل المعروف قصة عطاء لا تكتمل محاسنها بالبوح بل بجمال الفكرة ،وحسن الأداء ،وهو ثمرة للتربية الإسلامية الإنسانية التي تتمتع بروح عالية من الإيجابية ،وتقدير ذات الآخرين ، والتضامن معهم ،وتقديم النفع لهم سواءً بمساعدة المحتاج ،وإغاثة الملهوف ،ودعم الجمعيات ، والصدقة عن الوالدين ،وطباعة المصاحف ،والدعم الإنساني بتقديم المشورات ،وتذليل الصعوبات ،ودفع الأذى عن الناس، والتحفظ على جمال أرواحهم في حضورهم وغيابهم وغير ذلك.
قال النبي ﷺ: «خيرُ الناس أنفعُهُمْ لِلناسِ»وهذه القيمة ينبغي أن تغرس في نفوس الأبناء منذ الصغر، فعندما يُغرس حب الخير في نفوس الأبناء فإنه ينمو مع نماء الخير في نفسه قيمة أصيلة تكبر معه ،وتعظم في خلقه ويصبح بها قدوة حسنة لمجتمعه.
قال بعض العقلاء: تعلموا أن تنحتوا المعروف على الصخر، وأن تكتبوا آلامكم على الرمل؛ فإن رياح المعروف تذهبها .
حينما تبذل المعروف اجعل فتات المسك يفوح من يديك،واحفظ المعروف في صفحة عنوانها الوفاء؛لأنك تعطي للحياة حياة ،وتجعل للصبر في حياتك عنوان ،وتندى يديك بقيم الإحسان؛ فالامتناع عن العطاء جفاف سبيله الفناء،و غياب أصالة ،وحياة عنوانها الشقاء؛فلن تسمو إلا عندما ترسم السبل الواضحة بإغاثة حقيقية ،ودعم نفسي ،وغذاء روحي لإيصال المحتاج لمبتغاه،والضال لهداه.
حينما تبذل المعروف كن أنت المأهول لتجود بالهطول ،فكل عطاء نجد له مثول إلا عطاءك ميّزه بحسن النوايا ورجاء القبول.
من أثر المعروف على الفرد الإتزان الديني ،ورفع مستوى الأثر الأخلاقي الجيد في نفس صانعه ، وأنه سبب في الفلاح،والنفس تبلغ به ذروة الإصلاح .
قال رسول الله ﷺ: “صنائع المعروف تقي مصارع السوء و الصدقة خفيا تطفئ غضب الرب و صلة الرحم زيادة في العمر و كل معروف صدقة و أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة و أهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة و أول من يدخل الجنة أهل المعروف”
ولأن الأصل في العطاء نيل عظيم الجزاء من الله كما في قوله تعالى:{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا }
وليس الخير في عظمته ، بل العظمة في فعل الخير مقابلته بحفظ المعروف ، والإيام بمثله أو أحسن منه،والثناء بحفظه في أعماق الذاكرة،وجعل فاعله رفيق الدعوات .
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:” مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ”.
كذلك ينبغي الإيمان بأهمية المبدأ الإسلامي الراقي الشكر لمن أسدى معروفاً حفظاً للعلاقات ،وحدًّا لانتشار الخلافات ،والتخلص من سيء العادات ،وبذيء الخلافات.فقد قال النبي ﷺ:” من لايشكر الناس لايشكر الله” وفي الربط بين أداء الشكر لله و شكر الناس دليل على عظمة التعزيز لصاحب المعروف ،وعظم مكانته ،فقد استحسن صاحب المعروف قيمة المعروف وعظمت قيمته بداخله فطاب ذكره عند الناس .
ممارسة الشكر دون طلب لطف أنيق وذلك يتجسَّد في احترام صاحب المعروف ،وتبادل مزيد من العطاء في جو تكسوه السعادة والألفة .
قال الشاعر:
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ *** لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللهِ وَالناسِ
ارتباط المعروف بالشكر سبيل لكثرته،ودعماً لأهمية صناعته والاهتمام بأداءه، أما نكران المعروف دليل الجحود ،وخسران العلاقات و جفاف الضمير .
قول موسى بن جعفر : المعروف لايفكه إلا المكافأة أو الشكر ،وقال:قلة الشكر تزهد في اصطناع المعروف.
إذا كان من أسباب حفظ النعم وزيادتها الشكر كذلك من أسباب حفظ المعروف ودوام العطاء الثناء الجميل،والذكر الحسن صوناً للمودة ،واعترافاً بجميل التعاون ،فبه يتحقق الاستقرار الاجتماعي والأمان الروحي.
مهما ثمن القلب لمن أسدى إليه معروفاً فإن اللسان سوف ينطق به شكراً وذكراً و وصلاً وودًّا ،وسوف يبدو عهداً يطوق به عنقه مدى الحياة..
قيل: للشكر ثلاث منازل:ضمير القلب ،ونشر اللسان،ومكافأة اليد
و قال الشاعر:
ومن يسدِ معروفًا إليك فكن له شكورًا يكن معروفه غيرَ ضائع
ولا تبخلنّ بالشكر والقَرض فاجزه تكن خير مصنوع إليه وصانع
وكذلك يتم حفظ المعروف بكثرة التواصي على أداءه بروح مفعمة بالإيجابية مشرقة بنضارة الإحسان ،ومتأهبة لسرعة المبادرة في كل زمان ومكان .
ويتم حفظه أيضاً بمخالطة أهل الخير الذين تتزاحم همة العطاء في نفوسهم، وذلك بتأثر الحال والأحوال بنبل خصالهم وسديد أفعالهم .
كما يتم حفظه بترويض النفس على أداء المعروف بثقة لاتثنيها الظروف ، والاقتناع بجليل مآله باللحاق بركب أهله وناظميه ومنظميه.

المشاركة

شاهد أيضاً

المراكز الصحية الحكومية تتفوق

بقلم / د. هيثم محمود شاولي لابد ان نعترف بأن المريض كان في السابق يتردد …

اترك تعليقاً

© Copyright %year%, All Rights Reserved | Designed by SMART !deas