آراء وأقــلام

دار قابيل الجديدة

 

 بقلم الأستاذ- أسعد عبده واصلي

 

الإنسان خلق من هذه الأرض وتكوَّن من جميع أجزائها…
ثم بعد ذلك من سلالة من ماء مهين! كما أشار الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، المؤمنون (14)، فهذا الإيجاد وهذه الخِلْقَةُ التكوينيةُ السلالية لا تكاد تنفك أو تنقطع عن أصلها الأول وهو التراب والطين وما تكون منها أثناء قبضة الملك لهذه الأجزاء…
فلما أُهْبِطَ الإنسانُ (المتمثلُ في آدم وزوجه حوَّاء) من الجنة إلى الأرض، ومن العلو إلى السفول، وعاش على الأرض بعد ذلك ليعمرها ويتناسل وتكثر الذرية، وبقي تجذبه قوتان: قوةُ علوية وهي المتمكنة في عقله وروحه، وقوةُ سفلية أرضية، وهي الشهوة والرغبات الساكنة في جسده، وبينهما يعيش هذا المسكين في صراع دائم!
فأيهما غلبت على قلبه أذعن لها…
وما قصة ابني آدم عنا ببعيدة، فهي الشاهد الأول و المؤكد على صدق ما قلته…
والأصل في طبع الإنسانِ الخيرُ، لأن الله خلقه لهذه المهمة، ولكن ولأن الإنسان مبتلى بعداوة عدوه الأول: إبليس -الذي أصبحت له ذرية كما لآدم -عليه السلام- ذرية- حدث الصراع بين الخير والشر وظلَّ مُحتدِماً إلى قيام الساعة، وقد ورد في الحديث الشريف: “إنَّ للشيطانِ لَمَّةً وللمَلَكِ لَمَّةً فأمّا لَمَّةُ الشَّيطانِ فإيعادٌ بالشَّرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأمّا لَمَّةُ الملَكِ فإيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ فمَن وجَد ذلكَ فلْيحمَدِ اللهَ ومَن وجَد الأخرى فلْيتعوَّذْ مِن الشَّيطانِ، ثمَّ قرَأ: {الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ…}، (البقرة: ٢٦٨).
ومضت الحياة منذ ذلك الزمن ونفس الإنسان مولعة، إما بالخير كما كانت نفسُ هابيل، وإما بالشر كما هي نفسُ قابيل.
فالإنسان إما أن يتصف بالفضائل فيعمل الخير، وإما أن يتصف بالرذائل فيعمل الشر.
فما نراه من سفك للدماء وقتل للأبرياء وغيرها من آثام أهل الأرض خارجة من دار قابيل الجديدة، وما زالت سلالته تمشي على الأرض..
فانظروا إلى أحوال من قبلنا وأحوال من في عصرنا وقد اكتظت الدنيا بالشهوات و الأهواء، وتلاطمت حتى ضاقت بها الأرض ذرعاً، تشير إلى تلك القصة الشوهاء التي وقعت على وجه الأرص ولوثتها وأصحبت لعنة على فاعلها!
فالمفاهيم تغيرت والقيم تشوهت، والأرص أضحت مسرحاً لهم، إذاً، فالناس إما قابيل وإما هابيل.
وكثر في الناس الفساد، وساد التناقض والتباين واختلت المعايير، فأضحى الصادق كاذباً والكاذب صادقاً، وتكررت الصورة نفسها التي صورها الله -سبحانه وتعالى- عن موسى -عليه السلام- الذي أنقذ الله به بني إسرائيل من فرعون وجنوده، وأظهر لهم معجزة انفلاق البحر لهم، فكذبوه، ولمَّا تجف أقدامهم، وصدقوا السامري الذي صنع لهم عجلاً له خوارٌ، ومازال المشهد يتكرر مابين قابيل وهابيل إلى يوم الدين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى