آراء وأقــلام

حسرة

بقلم – محمد الرياني

أخيرًا اشتروا حمارًا ، رأوا كلّ الناس معهم حميرٌ تشرق الشمس على نهيقها وهم بلا صوت يشترك في مهام الصباح ، فرشوا له علفًا أخضر على الأرض كي يُحسن الظن بهم منذ أول وهلة يتعرف فيها عليهم ، لم يكن كبيرًا في عمره ويبدو أن بائعه فصله عن أمه وباعه ليحرمها متعة الأمومة ولايزال صغيرا ، بدا صامتًا حزينًا ، رأوا ذلك في عينيه الواسعتين ، لم يجذبه العلف الأخضر الذي خصصوه له ،ظل يشمه ويرفع رأسه ،قالوا لعل الوحشة والمكان الجديد هي السبب ،تركوه ليعيش ليلًا مختلفًا في وحشته وهم ينتظرون ارتفاع صوته بالنهيق مع أقرانه في الأوتاد المجاورة ، صحوا مبكرين على غير عادتهم وبعض النهيق قد انطلق من بعد ، ذهبَ الذي اشتراه ليطمئن عليه فوجده ساكنًا قد أنهكه الجوع والظمأ ،قرب إليه الماء لعله يشرب فنفر منه واستدار حول مربطه حتى استوفى كامل الحبل الطويل ، نهق حمار الجيران ولسان حال صاحبه يقول: أَسمعني صوتك فامتنع ،أراد تخليصه من الوتد فازداد عنادا ،قطع الحبل من رجله الخلفية اليمنى فانطلق يصدر أصواتًا من كل مكان ورجليه في الهواء ،ظل يطارده وهو يمر على الحمير في مرابطها حمارًا حمارًا يريد استفزازها والاعتداء عليها ، في آخر جولة له أطلق صوتًا ضجَّ به المكان ، اجتمع عليه الجيران وأوثقوه ووضعوا عليه أربعَ حزمٍ من العلف اليابس الثقيل حتى استوى ولم يعد يتحرك ، أدار رقبته إلى الخلف يريد أن يأكل من القصب فلم يطاوعه ،أعاده إلى وتده والعلف على ظهره فبدأ يأكل ، نهق بصوت مبحوح فعرف أنه يريد الماء ،قرَّب إليه سطلًا من الحديد به ماءُ أمس فشرب حتى ارتوى وتصبب عرقًا وعينه على العلف كأنه يريد الرحمة ، هزَّ رأسه بالموافقة ولكن بعد أن يوصل العلف الذي على ظهره لصاحبه ،فعل ذلك ليعوده على عاداتهم ، في منتصف النهار وَرد عليه البئر وعلى ظهره جرتان كبيرتان ،رأى الحمير تفعل مثله فسكن وامتثل ، ملأ الجرتين على عجل يشقُّ الأرض مستعجلًا فاستبشر خيرًا بنجابته وسرعته ، وهو في طريق العودة تعثرت خطاه في الممر الضيق للحمير فخرَّ على الأرض ،انكسرت الجرتان بعد اصطدامهما ببعض وسال الماء على التراب ، حاول مع الحاضرين مساعدته على النهوض ولكنه شهق الشهقة الأخيرة ، حملوه مع الشظايا لتأكله الجوارح بعيدًا عن أمه .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى