آراء وأقــلام

عندما يعطى المعلم مكانته يبني أنفسا وعقولا

بقلم الأستاذ – أسعد عبده واصلي – جازان  : 

المعلم أو المدرس أو الأستاذ: كلها ألقاب تطلق على ذلك الشخص -سواء كان رجلا أو امرأة- الذي يبني أنفسا وعقولا، ويغرس قيما، ويعدل سلوكا، ويقدم معلومات ومعارف لأبنائنا الطلاب، ينتج  عنها فهما عميقا لما تعلموه، ليطبقوه في الحياة العملية، ويكونوا لبنة صالحة في بناء مجتمعاتهم، وحماة لأوطانهم.
إنه المعلم الذي اختار هذه المهنة الصعبة من بين كل المهن…
ليكون شمسا تضيء طريق الأجيال، أو شمعة تنير الظلمة في ليلهم، تحرق نفسها بلهيبها في لهفة لتمحو ظلام الجهل وتنير عقول الناشئة بالعلم النافع.
ففي كل يوم يبزغ نوره تراهم كالطير  بكرة  يذهبون لمدارسهم ومقار أعمالهم، وقد أُشربوا صعوبة التعليم، فبصبرهم تأتي الأماني، لقد تجرعوا كؤوس المرارة ليسطروا ببنيانهم أروع المعاني، وكم كابدوا من الضنَك والمرارة في غابر الأيام ما كابدوا، فصبروا في مجال العلم صبرا المحتسب على مايلاقيه من أهوال التعليم، لأنهم يعلمون يقينا أن مكانة المعلم ليست بالهوان، فهو يعاني نصابا من الحصص تفوق طاقته، مع ما يتبعه من إشراف يومي، فتراه يجري خلف الطلاب خوفا عليهم، ويجوب الفسح، فيعود إلى بيته متعبا ممزق الأوصال، فضلاً عما يلحقه من تأمين الحصص بدلاً من زميل غائب، أو مستأذن لظرف حصل له، وأعمالٍ أخرى.
ومن خلال عملي كمعلم في بداية مشواري المهني والوظيفي، ثم مشرفا تربويا لمدة طويلة-ومازلت- وقد تعاملت مع أجيال سواء من المعلمين أو الطلاب على مدار تلك الفترة الزمنية، ولأني أصف نفسي بأني مخضرم عشت كل مراحل التطور المهني للتعليم، مابين التعليم التقليدي الذي كان يمارس عندما كنتُ تلميذا، ومابين ما مارسته كمعلم، وقد أدركت الفترة الأخيرة منه، وعشت فيه زمنا جميلا، وأوقاتا ثمينة، زاملت خلالها، بل وتشرفت بأن كنت زميلا ثم مشرفا لمن علموني وتتلمذت على أيديهم…
مرت الأيام والسنوات، والوزارات المنوط بها رعاية عملية التعليم والإشراف عليها -جزاها الله خير الجزاء-تتقدم تقدما نوعيا للرقي بالتعليم ومؤسساته التعليمية من عناية وتطوير، وما دمج الوزارتين -التعليم العام والتعليم العالي- في وزارة واحدة، إلا شاهد على هذه النقلة النوعية، ثم ما تبعته من مراحل وصولا لتصنيف المعلمين والمعلمات إلى ثماني رتب تنتهي بـ“القائد الخبير”.
وكل هذا يأتي تمشياً مع رؤية المملكة العربية السعودية٢٠٣٠، ومن ذلك تطوير التعليم وفق هذه الرؤية، فقد أولت المعلم عنايةٌ خاصة عبر تقديم الدورات المميزة له، “وإطلاعه على كل جديد في المناهج و طرق التدريس وإثرائه على المستوى المعرفي بالعديد من الأنشطة وورش العمل التربوية، ومنحه فرص الابتعاث للحصول على الشهادات العليا في مجالات مميزة تخدم قطاع التعليم.
ولا غرو فهذا الاهتمام من الدولة- رعاها الله- وما توليه حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان-حفظهما الله- بالمعلم-خاصة- قد آتى ثماره ونتاجه في الفصل الداسي الأول من هذا العام ١٤٤٢ للهجرة، فظهر جلياً مدى قدرته (المعلم) وجاهزيته وتفوقه على كل الظروف وتحديه للصعاب، فبوجود هؤلاء المعلمين الأكْفاء حققت المملكة العربية السعودية نجاحا منقطع النظير في مواجهة جائحة كورونا: فقامت وزارة  التعليم بتطبيق تجربة التعليم عن بعد، والذي ظهر من خلاله دور المعلم الذي كان هو القائد العظيم الذي يتقدم كل الصفوف على فرسه، فهو الخبير في مجاله والمضطلع به، وهو حامل اللواء عندما تدلهم الأمور، وتشتد الخطوب، فقد كان رجل المواقف إعداداً وتنظيما، لأنه أحد الجنود والحماة لهذ الوطن، والذي أدى دوره دون تقصير.
فكأني بهذا المعلم هو مَن قال عنه الشاعر:
وما المرءُ إلا عابرٌ متنقِّلٌ
يمرُّ كطيفٍ في المنامِ مسلِّم
فدع أثراً للناسِ في كلِّ مَوقِفٍ
ففي أكلِ تفّاحٍ أتى ذِكرُ آدم
لقد أثبت المعلم جدارته ومكانته، و أكد للجميع أنه المحور الأساسي والركن الركين لعملية التعليم، فمن خلال التعليم عن بعد استطاع أن يصل إلى طلابه وكأنه حاضرٌ بينهم، وأظهر أثره للناس ولأولياء أمور الطلاب بأن أبناءكم في أيدٍ أمينة.
فانظر كيف أنه إذا أُعْطيَ المعلم مكانته المرموقة التي يستحقها، ووجد التعزيز والتحفيز والتقدير من الجميع، كيف سيكون أكثر إبداعاً وأعظم إنتاجية وعطاءً يخلده التاريخ.
فالمعلمون هم أعظم بناة لمجد هذا الوطن الغالي، فكونوا سعداء جميعا بهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى