آراء وأقــلامرواد الفكر والكلمة

تمتمات

 

بقلم – محمد الرياني

في القريةِ الصغيرة اقتسموا الفرح من أجل أنَّ نعجةَ الحيِّ وَلدتْ حَمَلًا وديعًا يقتسمون معه الضرعين أو أيهما حملَ الحليب، يزرعون الأرض ويحمونها حتى تبرز السنابل وكل سنبلة تذهب في اتجاه ، وكل حفنةِ حبٍّ تلجأ إلى محتاج، يلقون بأنفسهم في غيابات الجب كي لايظمأ الأطفال أو تهلك دواب النقل من العطش، يهللون عندما يرون رأسَ البطل يبرز من فوهة البئر غرقانَ وقد نزل يزيل الحمأ من القاع، يبكون مع التي تصيبها الفواجع حتى تظن أنها ولدتهم دون شعور، ويبتسمون في ليالي الفرح وكأنَّ بطنًا واحدًا انشق عنهم ليجمعهم خارجه، شيئًا فشيئًا كبرت القرية فغطَّوا رأسها بعُرُشها ودفنوها ومعها العطش، طمروها حتى لايبقى لها تاريخ أو معالم ، اشتروا الحليب البارد وتركوا الضأن تموت من الظمأ عند حدِّ السكين ، اختلط الضحك بالبكاء فلم يعد للقرية هوية أو شخصية، سافرت كل الملامح وتبخرت كدخان يصعد إلى السماء و لايعود، شرَكٌ كبيرٌ أُودعت فيه البسمات الرقراقة والدمعات الأصيلة ، لم يعد للسنابل في مواسمها أغنيات تصطف على رؤوسها العصافير ، ضاعت الطرقات البائسة في أحضان الطرقات المترهلة ، عافت الطيور رؤوس السنابل فاكتفت بالخطوات الرقيقة على الديار البائدة تبحث عن قشور ، لم يعد هناك التقاء يجمع أصحاب الأسنان الناتئة بأصحاب الوجاهة ، استرخت المدينة على ضحكات الموجعين، لم يبق للنسائم البريئة ممر في المدينة، ححبتها الأسوار العالية والجدران الساخنة، تلوْا على الأطلال تمتماتٍ فارغة وبنوا نصبًا للزيف تاريخَ البداية، أعلنوا أن المدينة ولدت عند التمتات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى