آراء وأقــلام

درس من مجلس عزاء يماني

 بقلم : عبدالعزيز قاسم

[email protected] 

 أكرمني الله تعالى -مساء الجمعة- بالذهاب لمنزل معالي الشيخ أحمد زكي يماني يرحمه الله، والتشرّف بتقديم واجب العزاء لذويه وأهله وقرابته. وبعيدًا عن الحديث في تأريخ معاليه، وموسوعيته التي لمستها أثناء حضوري لبعض جلساته في رمضانات فارطة، إبان عقدها وقت مجيئه لجدة، والتطرق لسماحة نفسه وأبويته وتعامله الرفيع مع جلسائه، 

وددت تسجيل انبهاري بالكيفية التي أدّينا فيها واجب العزاء، إذ استقبلنا عند باب فيلته أحد العاملين يطلب منا رؤية تطبيق “توكلنا”، إذ لا يدخل العزاء إلا من يحمل هذا التطبيق. وكان من أدبهم أن وضعوا ملصقات توعوية كبيرة، بعبارات شكر إن اتبعنا التعليمات الوقائية التي يجب علينا عملها كي ندخل مجلس العزاء.

بعد أن أريت الحارس تطبيق “توكلنا”؛ سمح لي بالدخول إلى حديقة المنزل، ليلقاني آخر، ويطلب بكل أدب مدّ يدي لجهاز قياس درجة الحرارة، ليأذن لي بكل التهذيب أن أخطو للداخل، ويلقاني شاب ثالث بيده المعقم، وبكل عبارات الترحاب قام بقطر بضع منه على كفي، وشكرني لتجاوبي، لأعبر إلى داخل المجلس.

عندما ولجت ذلك الصالون الذي لطالما كان معاليه -يرحمه الله- يتصدّره، ونناقش معه الأحاديث العامة، التي كنت بحكم تخصصي الصحافي أطرح جملة منها، بحضور نخبة رفيعة من مثقفي مدينة جدة ومحبي معاليه؛ ألفيت أبناءه يقفون وبيننا حاجز بسيط يمنعنا من الاقتراب، كي لا نقوم بالمصافحة يدًا بيد، ونكتفي بالإشارة والتعزية من بعيد. 

 قمت بإلقاء كلمات التعزية، وأنا أخطو في مسار محدّد داخل الصالون، وبالطبع كانت الكمامات علينا جميعًا، فاضطررت أحيانًا عندما أخمّن أحدًا، كصديقي العزيز نجيب يماني وأخي د.عدنان اليافي؛ أن أزيح كمامتي قليلًا ليميزوني بدورهم وأنا أقوم بواجب العزاء. وألفيت فضلاء وأحبة في المجلس، ولكن الوقت لا يتناسب إلا لإيماءة سلام وحبّ وعزاء.

 لا أدري أميّزني الابن البار لمعاليه الأخ فيصل يماني؟! ذلك الذي شاهدته طيلة تلك السنوات التي غشيتُ مجلس معاليه؛ مهتمًا بوالده، يقوم بكل اجلال وتقدير وبرّ بمساعدته، واقفًا -بكل خشوع وأدب- في آخر المجلس، ينتظر إشارة والده؛ ليلبي له مسرعًا ما يريد، منتزعًا الاعجاب منا والدعاء له على هذا البرّ والاجلال والتعظيم لوالده الراحل يرحمه الله. 

سجلت بعض السنابات وأنا في حديقة منزل الشيخ أحمد زكي يماني، مترحّمًا على معاليه، ومشيدًا بالطريقة البديعة التي قدمها أبناؤه لنا، كي نعزي بطريقة آمنة، وقلت بتمنياتي أن تسود الطريقة في كل مناسباتنا العائلية والخاصة؛ بألا يأتي أحد المناسبة إلا بتطبيق توكلنا، وتقاس حرارته عند الباب.

 رؤية تطبيق “توكلنا” بات إلزامًا في المولات الكبيرة والأسواق والمستشفيات، ولكن دعوتي هنا أن تكون ثقافة مجتمعية عامة، بحيث تكون إلزامية في مناسبات الأصدقاء والأهل الأسبوعية، وألا نتحرج من ذلك، بل ونتنادى لها؛ حماية لنا بشكل خاص والمجتمع بشكل عام. كم أتمنى أن تسود هذه الثقافة.

علينا أن نبدأ بأنفسنا في تطبيق هذه الاحترازات لتكون ثقافة في المجتمع، وصدقوني حينها أننا لن نحجّم انتشار وتفشي كورونا وحسب، بل سنقضي كذلك على أمراض معدية كثيرة لطالما عانينا منها.

رحم الله معالي الشيخ، وكل الشكر لأبنائه البررة.

*إعلامي وكاتب صحفي 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى