واحة الشعر

*لــيــلــةٌ خــالــدة*

شعر الأستاذ  :  حـمـود الـقـاسِمي

دارت في سالفِ العصر والأوان معركة كلامية بيني وبين بعض أدعياء الشعر فكانت هذه القصيدة.

وفـــي ليلـــةٍ بالوصـلِ أمْسَــتْ مُتَيّمَـةْ
أتتنــي سُــعادٌ كالمَلائِــكِ فـي السِّــمَةْ

فكانــت كبـدرٍ ذادَ عــن عينـيَ الدُّجــى
وبَـرْدٍ على قلبٍ لظى الشـوقِ أضرَمَهْ

فحيّــــتْ وضــــمّتنــــي فقبلـتُ خدَّهــــا
ومالـــت إلى خَـــدّي وقالــت مُتمتِمــةْ

لأنــتَ وربِّ الشعرِ فــي الشـعرِ بِدعَـةٌ
إذا رُمـــتَ قــولًا ســطّرَ الفـنّ أفخَمَـــهْ

وتُطرِبُنــــــي إمــــــا شــــــدوْتَ بدائـــــعٌ
وصَــــنعَةُ قـــــولٍ بالجزالـــــةِ مُحْكَمَــــةْ

فــدعْ ليلتـــي ياسيّدَ الشـــعرِ والهـــوى
تكـــن روضــةً بيــن الليالــي المُنَعّمـــة

وخَـــلِّ حِســـانَ الكـــونِ ينشُـــدْنَ مِثْلَها
وكيـــف وقــد صـارت دَواتُـــك مَنْجَمَـهْ

فقلــــتُ لهـــا لا غــــروَ أن حُزْتُ مُلكَــــهُ
ومِثْلُكِ لــي في عالَــمِ الشعرِ مُلْهِمَــةْ

فأنـتِ ومَـنْ سوّاكِ فـي الخَلقِ آيةً
وأنشــاكِ في عَينــيَّ بالحُسْـنِ مُفْعَمَةْ

غدَوْتِ لِـيَ السِّحرَ الذي يبعـثُ القوى
بِحِبْـــري فتنســــاقُ القصــائدُ مُرْغَمَــــةْ

فكُوني لشعري الروحَ والنورَ والشذى
لتأتلِـــقَ الأحـــــلامُ حولـــــي مُجسّـــــمَةْ

دعـي الشـاعرَ المسـكونُ بالجُرحِ قلبُهُ
يَبُــحْ حيــن يلقــى فــي دُنُـوّكِ بَلْسَــمَهْ

وهُــزّي بجـذعِ الشـعرِ تسّــاقطِ اللغــى
لُحونًــــا علــــى سمْعِ الزمـــانِ مُرنّمَــــةْ

أنـــــا شـــــاعرٌ أَنْـــــداؤُهُ فيـــــضُ غيمـةٍ
تَســامَتْ فكانــت بالأحاســيسِ مُرْزِمَـةْ

تُطِــــلُّ علــــى الدنيــــا فَيَفْتَــــرُّ ثَغْرُهـــا
حُبُــــورًا وتَصْــــطَفُّ العنــــادِلُ مُعْلِمَـةْ

بأنــي مَلكــتُ الشــعرَ بالحِسّ والـرؤى
فَفُقْـتُ كما فـاقَ امـرؤ القيـسِ عَلقَمَةْ

ولـي دَوْلـةٌ في الشــعرِ عظمــى فَتِيَّةٌ
علــــى أدعياءِ الشــعر باتــــت مُحَرّمــةْ

ولي صـوْلـةٌ في القَولِ تُخشى وتُتَّقى
إذا صُـــلْتُهـــا كانت حُروفًـــا مُســوّمَـــة

مِـن المُورياتِ القَـدْحَ مَعنًـى وصُـورةً
فَصـــيحاتِ لفـــظٍ لا صَهيلًا وحَمْحَمـــةْ

علــــى أهْبَــــةِ الإبــــداعِ أوْقَفْــتُ أحرُفـي
فكانت على الإبـداعِ مـا عِشْـتُ مُقْسِمَةْ

دَوَاتـــي وأقلامــــي ودفـــــقُ قريحتـــــي
عن اللغو والإسفافِ والضَّعْفِ مُحْجِمَةْ

وحَلّقْـــــتُ فـــــي جَـــــوِّ البراعــــةِ عاليًـــــا
فانهضْــتُ إجـــلالا لشــــــعريَ أنجُمَــــــهْ

ولكــــنّ لــــي يـــا قُـــرّةَ العيــــنِ حاســــدًا
أقلِّبُــــــــــهُ بيــــــــن الأنــــــــــامِ لأعْلَمَــــــــه

فلــم يكُ فــي الدّهمــا ولــم يــكُ ســيّدا
ولا هــــو بالعبـــدِ المَسُــــودِ ولا الأمَـــــةْ

فـكان كـمـسخٍ ليس يُـعرفُ جِنـسهُ
هــويَّـتُــهُ بـيــن الخــلائـقِ مُبـهَــمَةْ

يقــــولُ كلامًــــا لــــم ينَـــلْ منــــهُ طائـــلا
وأقوالُــــهُ للسُّــــخْفِ مــــا جــــاوزَتْ فَمَــهْ

وليس قليـــل الشــعرِ فـــي العـــدِّ إنمـــا
رطانَتُـــــــهُ تحتــــــاجُ للفهـــــــمِ ترجَمَـــــــةْ

ويجهـــــــدُ يســــــتعدي علـــــيَّ جهالـــــــةً
ولكننــــــــي أغضــــــــي حياءً ومَرْحَمَــــــةْ

وأعجــــبُ منـــه ثُلّــــةٌ ضــــاعَ رُشْــــدُهــــا
يسـومونَ شِعري القدْحَ إرضاءَ شِـرْذِمَـةْ

فيســـــــحرُهُـــمْ منـــــــي بيـــــــانٌ كأنـــــــهُ
عقــــودٌ أضــاءتْ مِــــن جُمـانٍ مُنظّمَــــةْ

يرومـــونَ جـــزلَ الشـــعرِ لكـــن يفوتُهُــمْ
وأقوالُهُــــمْ لــــم تعــــدُ نظمًــــا ولَمْلَمَــةْ

وكـــــم حاقـــــدٍ يبـــــري مخالِـــــبَ حِقْــدِهِ
بِلَيْـلٍ فتُضــــحي مِــــن يَرَاعِــــي مُقَلّمَــةْ

كأن لِحُسنِ الشـعرِ عنـدي علـى المَـدى
مواثيــــــقَ خُطّــــــتْ للبراعـــــةِ مُبْرَمَــــــةْ

أنــــا يــا ربيــــعَ العُمــــرِ قلــــبٌ تكالَبَــــتْ
عليــــه العَـــــوادي لكـــــنِ اللهُ سَــــلَّمَــــهْ

مُنِحْــتُ الهــوى كلّ الهــوى فتســابَقَــتْ
إلــــيَّ الدُّنَــــى ترجــــو سُـروريَ مَكرُمَــــةْ

فَدُومِــــي علـــــى حُبّـــــي وفاءً لخافـــــقٍ
حنايــــاهُ فــــي شـوقٍ لِضَـــمِّكِ مُغْرَمَــــةْ

وإنــــي إذا مـــا دُمـــتِ بالحُــــبِّ،ســــابِقٌ
فــلا أرتضــي فـي الشعرِ غيــرَ المُقَدِمَةْ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى