رواد الفكر والكلمة

فرحةُ المطر

بقلم – محمد الرياني 

 

غربت الشمسُ فبرزَ الهلالُ متربعًا في السماء كمعدنٍ مصقولٍ على سطحِ آنيةٍ سوداء ، رفعت يديها بالدعاء وهي ترى الشهر الجديد ، نظرَ إلى ثوبِها الأسودِ المخلوطِ بالبياضِ مثلَ السماءِ يتوزعُ على سطحِها السحابُ ، مازحَها وهو خائفٌ من عقابِ التشبيه ، كأنَّكِ السحاب ! ضحكت واحتضنته ، ياليتني كذلك ، سأمطرُ كالسحابِ وأملأُ الأرضَ ماءً وأُغرِقُ رأسَكَ الصغيرَ كي يخرجَ وسخُ الأعوامِ منذُ ولدتك ، رمى نفسَه في أحضانِها ولايزالُ الهلالُ في مكانه وبعضُ السحابِ يتخذُ مكانًا أبعد ، غابَ الهلالُ والظلامُ يخيّمُ على الساحةِ الوادعة ، همت المزنُ وامتلأتِ الأزقة ، خرجَ بقدميه في الوحلِ ولاتزالُ السماءُ تمطر ، غرقَ شعرُ رأسِهِ وجسده الصغير ،جاء إليها يرتعشُ من البردِ وهي ترتدي ثوبَها الذي يشبهُ مساءَ السماء ، عاد إلى أحضانِها يلتمسُ الدفءَ من جديد ، لفَّت على جسدِه ببعض ثوبها الواسع حتى استعادَ بعضَ حرارةِ نبضِه ،ابتلَّ الثوبُ بماءِ السماءِ الذي أغرقَه ، قال لها ورأسه لايزال يقطر : وَسَخُ الأعوامِ التصقَ بثوبِكِ ، لقد اختارَ البقعَ البيضاءَ ليلطِّخَها ، ضحكت وهي تردد ياشقيُّ ألمْ يسكت لسانَك المطرُ ؟ انسلَّ من الثوب وقبَّلها ، وعدَها بأن يشتري لها ثوبًا صافيًا بلا بقعَ بيضاء ، همى دمعُها وهي تقول لعلّي ألحقُ ذلك اليوم ، دمعت عيناه وهو يدعو لها ، كبرَ الصغيرُ فاشترى لها ثوبين ، جاء يحمل واحدًا بلون السحاب وآخر بلون السماء في الليل ، احتضنته وقد غطَّى جسدُه جسدَها ، فرشت الثوبين على الأرض ثم وقفت على الأسودَ واختار ابنها الأبيض ، ردَّد معها أنشودة المطر .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى