رواد الفكر والكلمة

مطر …مطر

 

بقلم – محمد الرياني

 

نزلَ المطرُ وتحولت الأزقةُ إلى جداول فاتنة ، جرتْ ورائي كي تلهو ، لحقتْ بي بلا حذاء بعد أن لبستُ حذاءها الأخضر وانطلقتُ أمرح ، دعوتُها للعودة فلم تكترث ، نبهتُها أنَّ الشوكَ الأخضرَ في طريقِها وسيزداد ألمُها لو غاصت في قدمِها الغضِّ المبللِ شوكةٌ خضراء ، ألقت بموعظتي في ماءِ المطرِ وواصلت المسيرَ وهي تتبعني ترقصُ برجليها على الأرضِ الغارقةِ في الماءِ كي لاتصيبها الأشواك ، هبطت قدمُها على شجيرةٍ خضراء عند آخر رقصاتِ لهوها ، انتشرت الأشواكُ في قدمِها فصاحت تبكي وتستغيث ، أختي مابك؟ عدتُ إليها لأخلصَ قدمَها الصغيرة من ألم الوخز ، لم تقتنع بالعودة ، حملتُها كما كانت تفعل بي وبها أمي وفي كلِّ خطوةٍ أتعثرُ فنسقط سويًّا على الوحل ، ننهض ونحن نزيل الترابَ الأخضرَ وأواصل المشيَ تحت زخاتِ المطرِ وأنا أحملها ، اشتدَّ على قدمها الألمُ ودموعُها تهمي على كتفي ، شعرتُ بالماء وأنا أظنه بقايا الهتان الذي لايزال يسقط بهدوءٍ وبخفة ، مشيتُ وقد انقشعت السماءُ والبللُ على كتفي ،وقفتُ وأنزلتها لأرتاح ، كانت عيناها غارقةً في الدموع ، مسحتُ كتفي لألعق دموعَها مع المطر ، استوقَفَنا غديرٌ لم نتجاوزه ، قلتُ لها الآن تضعين قدمَك في الغدير ويذهب الألم ،فرحت وهي تهزُّ رأسها ،ألبستُها الحذاءَ ومشيتُ حافيًا مثلها ، سألتُها هل بقي في قدمك ألم ؟ قالت لا ، ملأتُ كفي ونضحتُ في وجهها بالماء البارد لأزيلَ آثارَ الدموع وهي تستروحُ رائحةَ المطر ، كنا نلهو كالفراشات البيضاء ونتبادل نضحَ ماءِ السماء حتى ازداد لونُ بشرةِ أقدامنا بياضا ، أمسكتُ بيدها وأنا أقول لها كفَى لعبًا ، السحابُ من فوقنا سيعود من جديد ويغرفنا ، والشوكُ الأخضرُ سيتوارى تحت الوحلِ وليس معي حذاء ، نزعتْ فردةً من قدمِها وقالت نقتسم الحذاء ، قلتُ لها ياشقية وكيف نمشي ؟ مالت بجسدها وأخذتْ ترقصُ كالفراشة ، فرقصتُ مثلها ، همت السحابةُ ونحن عائدان بسرعة خوفًا من العقاب ، كانت تمسك بيدي بتشبُّثٍ وأنا أجرُّها بثقة ، أحسستُ مع الجري بوخزةٍ في قدمي الحافية ،قلتُ لها هذه شوكتك ، ضحكت وجلسنا لنستريحَ وأنزعَ الشوكة ، مازحتني بأن تلبسَ الحذاءَ كاملًا مقابلَ أن تحملني كما حملتها ، اشتدَّ المطرُ علينا ونحن على مقربةٍ من البيت ، حاولتْ أن تحملني فلم تستطع ، جسدي وإن كان صغيرًا أكبرُ من جسدها ، لبستْ الحذاءَ وقالت هل تسابقني ؟ لم تدعني أجيبها فانطلقت مسرعةً وتركتني حافيًا أتوكأُ خوفًا من الأشواك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى