آراء وأقــلام

تأبين شارع

 

بقلم – فاطمة سعد الغامدي

 

يؤلمني منظرُ الشوارعِ الخاليةِ من الناس ، تبدو موحشةً وكأن أشباحًا تسير نحوي، شعرتُ بذلك وأنا أغذُّ الخطى نحو صيدلية قريبة مني بعد أن حصلتُ على تصريحِ خروجٍ من خلالِ تطبيق (توكلنا) لشراء بعض الأدويةِ الضروريةِ حسب الوصفة الطبية التي لدي ، جدةُ التي لا تنام طرقاتُها وشوارعها ، نبضُها المتسارع، الحياةُ الصاخبةُ في سكون؛ ألتقطُ دمعةً ساخنةً قلقة؛ أرفعُ صوتي بالدعاء… اتصالٌ مُلِحٌّ من جارتي ، تفاجئني بقولها: البقاء لله جارنا أبو باسم توفي ليلة أمس متاثراً بمرض كورونا ، ترنحتُ ووقفتُ ذاهلة أبكي ، تزداد وحشةُ الشوارع ، يسكنني الفراغُ والحزن ، أهرعُ نحو بيتي الأكثرَ أماناً ، أنتظرُ عودة زوجي إلى البيت، أوصدُ الأبواب ، يبكي ابني رغبةً في النزول للشارع ، أرفض ، يحمّل أبوه لأجله لعبةً الكترونية ، يرفضُها ثم يغرقُ في لعبها ويكّون أصدقاء افتراضيين ، يشتاقُ زوجي لأكلةٍ قديمة ، بينما يُضرِبُ أطفالي عن الأكل ملحّين في طلبِ الطعام عبر تطبيق “هنقرستيشن” ، أطلبُ منهم غسلَ أيديهم وتناول طعامنا المنزلي أو النوم جائعين ، فلن نشتري خلال فترةِ الحظرِ طعاماً من الخارج . بطبعي أميل إلى الانطواء والاكتفاء بالقليل من الناس ، لكنني حقاً أشعرُ بحنينٍ جارفٍ نحو الوجوه التي أُتقنُ تأملها، يعود زوجي بكيرم وألعاب منزلية ويشتري جهازاً رياضياً ليتسلى الجميعُ بممارسةِ الرياضةِ وتمضيةِ الوقت ، مازلت اذكّرهم بضرورةِ الدعاءِ والاستغفار ، أشتاقُ لصوتِ الإمامِ الخافت الذي يتسللُ في هدوءٍ عبرَ النافذة ، أُرهفُ السمعَ لأصواتِ المارة ، وضحكاتِ الأطفالِ وبكائهم في منزل جارتي اللصيقة، الناسُ تخافُ الناس ، نتقابلُ دون أن نقتربَ أو نعانقَ بعضنا ، نغسلُ أيدينا مرات عديدة ونعقمها ونهرب من الوجوه المألوفة ، أستمعُ لأغنيات “الموهيكانز” للهنود الحمر التي تحمل معنى الاغترابِ والرحيل ، يغضبُ زوجي ، يطلب مني الكفَّ عن الاستماع لأغاني الشؤم والحزن ، يهرعُ نحو الباب ، يبحثُ عن مفتاحه ، أرفض خروجه .. يعدني أن يلتزمَ بالاحترازاتِ ما أمكن وأن يتجنبَ الحصولَ على مخالفات ، الأخبارُ تأتي بالموت ، التلفاز ، وسائل التواصل ، الشارع ، رفقاء العمل.

ياالله : ورفْعُ الحظْرِ رويداً رويداً. أسدي النصائحَ لأبنائي بالحرص على النظافةِ وبعدمِ تناولِ الطعام في الخارج ، عدتُ للعمل بينما أبنائي ظلوا أمامَ المنصةِ المدرسية ؛ أتقنوا استخدامَ تطبيقاتٍ وأيقوناتٍ جديدة ، العالمُ بأسرِه يستديرُ نحو التقنيةِ ويركضُ في الاتجاهِ الأكثرَ أماناً. وبوقُ الموتِ يدقُّ من حولنا ؛ تزدادُ الاحترازاتُ ويزدادُ اللجوءُ للمنزل ،للدفء العائلي ، اكتشفَ كلٌّ منهم تفاصيلَ الآخرين ، هواياتِ الآخر ، تفضيلاته ، وقصص تُروى لأولِ مرة ، نصلي جماعةً ونقرأ القرآن ثم نتشاركُ في إعدادِ الطعامِ ونتبادل العباراتِ المعززةِ والجميلة ، يتذكرُ الجميعُ الأمَ والأبَ ويحضرون الهدايا ويضعون عبارات جميلة في حالاتهم . يشعرون بالطمأنينة لوجودي ، أبكي لأجلِ البيوت الباردة.. وأوصي أبنائي بالدعاء لنعود آمنين .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى