رواد الفكر والكلمة

طماطم وبصل

محمد الرياني

تعيش جدتي ” عيش” وحيدةً في غرفتها التي تحيطها بسورٍ صغير، تفتحُ البابَ لترى ما إذا كان هناك صغيرٌ من أبناءِ الحيِّ يلعب لتبعثه يشتري لها، يعجبني دومًا أن ألعبَ بالترابِ البارد ؛ فأدفن قدميَّ أحيانًا، وأحيانًا أتسلى بالرسمِ على ذراته، أشعر بلذة وأنا أرى الظلالَ وتدغدغني نسائمُ الصباح، فتحتْ جدتي عيش فرأتني ألعب ونادتني، قالت لي بصوتٍ منخفض : انطلقْ نحوَ الميدان، أريدك أن تشتري لي طماطمَ وبصلًا للإفطار، تحركتْ معدتي؛ فأنا أشعرُ بالجوعِ يلسعني وأهلي لايزالون يَغطُّون في نومٍ عميق، وضعتِ النقودَ في يدي وأنا أنوي الإفطارَ معها من وجبةِ الطماطمِ الحمراء الخالصة وفطيرةِ الدقيقِ الأبيض الذي رأيتُها تعجنه، قالت لي وأنا ذاهبٌ بأن أسرع، رائحةُ البصلِ لاتعجبني ولا أستسيغُ طعمَه، فكرتُ وقررتُ أن أشتري لها طماطمَ بالقيمتين معًا وأعتذر لها عن عدمِ حصولي على البصل، عدتُ إليها مستعجلًا، سألتْني عن البصلِ فاكتفيتُ بالصمتِ وذهبتُ للرملِ أنتظرُ موعدَ طرحِها للوجبة، ظللتُ أفتحُ البابُ وأنظر إليها خلسة، فاحتْ رائحةُ القلي فدخلتْ رائحةُ البصلِ مع أنفاسي، خاب ظني وقلتُ لم أستطع الاحتيالَ على جدتي عيش، يبدو أن لديها بقايا من شرائحَ قديمة، فجأةً فتحتِ البابَ وعلى الأرضِ صحنان من الإدام، قالت لي : هذا بالبصلِ وهذا بدونه، قلتُ لها بصل وأغلقت أنفي! سحبتِ الطماطمَ بالبصلِ نحوها ودفعتْ الآخرَ نحوي، قسمتِ الفطيرةَ بيني وبينها فبقيتُ أدفع اللقمة وراء اللقمة على عجل فلما رأتني اتجهتْ نحوَ البابِ وأغلقتْه من الداخل، نظرتْ إليَّ والمفتاحُ في يدها، شبعتُ قبلها ولاتزال تلوكُ لقيماتِها، أشارتْ إليَّ بأن أشاركَها، قلتُ بصل… بصل!! هممتُ بأن أهربَ من فوق السورِ فلم أفلح، قامتْ وغسلتْ يديْها ثم أدخلتْ يدَها في جيبِ ثوبها الجانبي وأخرجتْ ورقةً نقديةً وهي تتجهُ إلى الباب لتفتحه، الآن شبعتَ! اذهبْ واشترِ لي بصلًا، غدًا لن أصنعَ وجبتين مختلفتين، عدتُ إلى صحنُها لأجرِّبَ طعمَ وجبتِها على لساني كي أستفزَّها ، احتفظتُ معي بالقيمةِ حتى يأتي الصباحُ ولم أذهبْ من فوري ، غافلتُها وأخفيتُ قُفلَ البابِ حتى لاتغلقه عليَّ مرةً ثانية، تأخرتُ عليها فجاءتْ تسألني عن البصل، ضحكتُ وأنا أعطيها بعد أن أجلتُ تسليمها وبيدي واحدةٌ منه؛ مرةً أضعُها عند أنفي ومرةً ألحسُها بلساني، صحيحٌ أن معدتي تتقلبُ ولكنني أنوي مشاركتَها في تذوقِ البصل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى